أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
509
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تكرّر في العطف ، تقول : « المال بين زيد وعمرو » وإنما كرّرت للاحتياج إلى تكرّر الجار في العطف على الضمير المجرور ، وهو يؤيّد مذهب البصريين . قوله تعالى : أَرْبَعِينَ سَنَةً : فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب ب « مُحَرَّمَةٌ » ، فإنه روي في القصة أنهم بعد الأربعين دخلوها فيكون قد قيّد تحريمها عليهم بهذه المدة ، وأخبر أنهم يتيهون ، ولم يبيّن كمية التيه ، وعلى هذا ففي « يَتِيهُونَ » احتمالان : أحدهما : أنه مستأنف . والثاني : أنه حال من الضمير في « عَلَيْهِمْ » . الوجه الثاني : أنّ « أَرْبَعِينَ » منصوب ب « يَتِيهُونَ » فيكون قد قيّد التيه بالأربعين ، وأمّا التحريم فمطلق ، فيحتمل أن يكون مستمرا وأن يكون منقطعا ، وأنها أجّلت لهم ، وقد قيل بكلّ من الاحتمالين ، روي أنه لم يدخلها أحد ممّن كان في التيه ولم يدخلها إلا أبناؤهم ، وأما الآباء فماتوا . وما أدري ما الذي حمل أبا محمد بن عطية على تجويزه أن يكون العامل في « أَرْبَعِينَ » مضمرا يفسّره « يَتِيهُونَ » المتأخر ، ولا ما اضطره إلى ذلك من مانع صناعي أو معنوي ؟ وجواز الوقف والابتداء بقوله : « عَلَيْهِمْ » و « يَتِيهُونَ » مفهومان ممّا تقدّم من الإعراب . والتّيه : الحيرة ، ومنه : « أرض تيهاء » لحيرة سالكها ، قال : 1723 - بتيهاء فقر والمطيّ كأنّها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها « 1 » ويقال : « تاه يتيه » و « هو أنّه منه » و « تاه يتوه » و « هو أتوه منه » فقول من قال : « يتيه » و « توّهته » من التداخل ، ومثله : « طاح » في كونه سمع في عينه الوجهان ، وأنّ فيه التداخل أيضا ، فإنّ من قال « يطيح » قال « طوّحته » و « هو أطوح منه » . والأسى : الحزن ، يقال : أسي - بكسر العين - يأسى ، بفتحها ، ولام الكلمة تحتمل أن تكون من واو ، وهو الظاهر لقولهم : « رجل أسوان » بزنة سكران ، أي : كثير الحزن ، وقالوا في تثنية الأسى : أسوان ، وإنما قلبت الواو في « أسي » ياء لانكسار ما قبلها ، ويحتمل أن تكون ياء فقد حكي « رجل أسيان » أي كثير الحزن ، فتثنيته على هذا « أسيان » . وعادة الناس يسألون هنا سؤالا : وهو - كما قال الزمخشري - « كيف نوفّق بين قوله تعالى : « فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ » وبين قوله : « التي كتب اللّه لكم » ؟ وأجاب بوجهين : أحدهما : أن يكون كتبها لهم بشرط أن يجاهدوا فلم [ يجاهدوا ] . والثاني : أنّ التحريم كان مؤقتا بمدة الأربعين ، فلما انتهت دخلوها .
--> ( 1 ) تقدم .